واصف جوهرية
192
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية
وكنت مرارا أعزف وأغني على عودي في هذه الحديقة بمعية حسين أفندي الحسيني ابن عم إسماعيل بك والذي كان لا يفارقه أبدا . كنا والحق يقال رغما عن مآسي الحرب نعيش في نعيم مع أن باقي الأهلين وكافة الشعب كانوا يعيشون في جحيم والمقدر يكون . الأخ توفيق بالجندية عندما دخل الأخ توفيق السن المعين للجيش اضطر أن يسعى ليؤمن وظيفته فوفق وعين جنديا في فرقة الموسيقى للجيش بالقدس لمعرفتنا مع مدير الفرقة المذكورة واسمه أحمد أفندي اليوزباشي ذو الأخلاق الحميدة ، وكان زملاءه شكري الحرامي وحنانيا حنانيا من القدس أيضا . وعندما نقل مع الفرقة إلى دمشق بقي بعيدا عنا ولم يرجع الوطن إلا بعد الاحتلال البريطاني وقد ذاق ألوان العذاب والمشقة فوصلنا في حالة يرثى له وكان مصابا في فخذه الأيمن أثرا على شظايا قنبلة في معركة كانت في محطة السكة الحديدية نجا منها بأعجوبة . الأخت شفيقة تصاب بمرض التيفوس شاء القدر أن تسكن الأخت شفيقة بيت جالا بعد زواجها لشغل زوجها نجارا هناك . ولما أصبحت البلاد في حالة حرب وأخذ زوجها لخدمة الجيش بالعمليات ، وبسبب المجاعة الجراد وعدم وجود الأغذية انتشرت الأمراض في طول البلاد وعرضها وأصيبت الأخت بمرض التيفوس وأصبحت حالتها في خطر . ولما كان زوجها في خدمة الجيش إضطررت فذهبت في الحال ونقلتها في عربة خيل خاصة وجلست بجانبها لأهدئ روعها وكانت في غيبوبة وتبللت منها ولم أدرك مدى العدوي واللّه سلمني . أدخلتها في مستشفى بلدية القدس بواسطة حسين أفندي الحسيني . وبعد أسبوع من دخولها إتجهت صحتها للشفاء فذهبت بمعية حسين أفندي لزيارتها وحيث أن هذا المرض اللعين معدي فقد مسكها رجلين من ذراعيها وأطلا علينا من النافذة في الطابق العلوي وإذ هي وكأنها صبي رأسها بدون شعر فنادت بأعلى صوتها . " واصف أنا في بيروت شوف قديش في شجر " إلى ما هناك من دردشة من شدة المرض الأمر الذي جعل حسين أفندي ينزوي تحت قوس هناك خوفا من رؤيتها له ، وهي على هذا الحال . ذاقت حماتها وأولادها الصغار الآلام بعد نقلها من بيت جالا فطمرت البيت ومجاورية من البناء بالكلس خوفا من العدوي كما كانت العادة في ذلك الزمن من الدولة . كان مرضها في سنة 1915 . حالة الأخت جوليا أثناء الحرب إشتاقت الأخت جوليا لوالدها ولإخوانها فحضرت من أميركا ومعها أولادها حنا ووليم وكانت حامل فخلفت ابنتها جنيت بالقدس ولسوء حظها وطالعها فقد توفي والدها ودخلنا في الحرب العظمى فتوقف السفر إلى الخارج